حذاري من أضرار الربا الاقتصادية والاجتماعية

0

في البداية يمكن أن نبدأ الحكاية بمقدمة تقول : بأنه لا يزال التشريع الإسلامي إلى اليوم يبهر العالم والواقع بمداه المرن الذي يحافظ على العدالة وتقسيم الثروات بين عموم المجتمع وفي نفس الوقت يحفظ المعاملات المادية والاقتصادية من أن يصيبها سوء أو تدهور، وهو الأمر الذي على خلافه تمامًا البنية الاقتصادية العالمية، والتي خطت خطوات واسعة باتجاه تدويل الاقتصاد وعولمته وتوجيه الطاقات المادية من الأطراف إلى المركز،

والمقصود بالأطراف هنا هي الدول النامية والفقيرة، بينما المركز مقصود به الدول الغنية الرأسمالية، والتي تتركز فيها جملة رؤوس الأموال العالمية، مما يتيح للضرر أن يقع بكل سهولة، فالأمر ها هنا أشبه بتوجيه كل قوتك وثرواتك إلى غرفة صغيرة جدًا في منزلك الكبير، إن أول حريق سيمس هذه الغرفة سيقضي تمامًا على رأس مالك وبالتالي ستتعرض كل معاملاتك وحياتك لضرر فادح، بينما توزيع رؤوس الأموال في عدالة بين كل الغرف أو كل الدول أو كل أفراد المجتمعات كما يفعل الإسلام حقيق أن يحقق للعالم الآمن المادي والغذائي كما المعنوي.

من هنا فإننا من خلال عرض المشكلة هذه نحاول أن نقول بأن هنالك مشكلة معينة من مشاكل الاقتصاد التي للإسلام فيها رأي ورأي سديد وهي مازالت موجودة ومستمرة وبقوة ، وهذه المشكلة هي الربا وما يترتب عليه من آثار ضارة على المجتمع وإن كان الربا أحياناً مغطى بطبقة جميلة من السكر الذي تقدمه بعض المؤسسات ليرضي بعض الراغبين بسلعة تتماشى مع عقيدتهم وهذا أمر خطير بالطبع، للنظر للموضوع من زاوية بعيدة بعض الشيء ونقول بأن ما الحكمة من تحريم الربا في الإسلام ؟وكيف سيكون البديل الحقيقي الذي يمكننا أن نستعيض به عنه أو عن شبهه؟، طالما أنه حاليًا أصبح أمرًا واقعًا لا مناص منه في أغلب البنوك وشركات المال والأعمال في كل العالم .

قديمًا ونحن صغار كانوا يضربون لنا مثلًا مبسطًا لفهم طبيعة الربا وما يترتب عليه من ضرر كان جدي يشرح لي مدى حرمانية التعامل ب”الفايز” ويقصد الفائدة ومن ثم والدي حذرني من الربا وأشعل في قلبي النار لحرب الربا ‘مما دعاني لاختيار اختصاص الاقتصاد الإسلامي لأفهم الموضوع أكثر وأحارب الربا بكل ما أمتلك من قوة ، كان الشرح يتمحور حول الحديث عن أحدهم وهو شخص فقير ضاق به الحال ولا يجد قوت يومه، ولا يجد أمامه سبيلًا كي يُطعم أولاده الذين لا يجدون قوت يومهم إلا أن يذهب في إتجاه السرقة أو في اتجاه الاقتراض، لقد اختار الرجل المسكين هذا أن يتوسل أحد الأعيان في قريته والذي يملك من المال الكثير، اختار أن يتوسل إليه ليمنحه بعضًا من المال على سبيل القرض، وذلك كي يفك ضائقته ويستطيع بهذا توفير قوت يومه والاستمرار في الحياة.

يجيبه الرجل الغني بشكل شديد ودون رحمه قائلًا له، سأعطيك ما تريده من مال لكن بشرط واحد، يرد عليه الرجل صاحب الحاجة موافقًا على شرطه حتى قبل أن يعرفه، ذلك أن كل همه منحصر في إيجاد مال ما يقوّم به ذاته ويدفعها للعودة للحياة مجددًا، الآن جاء الدور لإخبار الرجل ذو الحاجة بالشرط، الشرط هو أنني سأعطيك عشرة دراهم وستعيدها إلى بعد اثني عشر درهمًا، بمعدل زيادة يبلغ درهمين، يوافق الرجل ذو الحاجة ويضطر لأخذ المال مع وجود هذا الشرط.

كان معلمونا قديمًا يدللون بمثل هذه قصة على مدى الظلم البين الذي يسببه الربا، وعلى أن المال الذي تدره هذه الطريقة هو مال مصبوغ بصبغة سيئة من المعاناة والظلم والإجحاف.

وفي هذا الإطار أستطيع أن أسرد ما قاله الرازي في تفسيره:

“وأما الربا فقد كان أمرًا متعارفًا عليه في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرًا معينًا، ويكون رأس المال باقيًا، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في المحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به” (الرازي، 2/357)

وفي هذا الإطار وبناء على كثير من حكم المشروعية الأخرى حرم التشريع الإسلامي الربا، بل لم يتوقف لدى ذلك بل اعتبره من كبائر الذنوب في قواعده وأرجع ذلك إلى عديد من الحكم، والتي منها أن الربا يقتضي أخذ مال الإنسان دون عوض، وهذا مما يتنافى مع أصل المعاملات وشرطها الأول وه فائدة ما تعم على الطرفين، ومن حكم التحريم كذلك الواردة في هذا الشأن هو منع الناس من الاشتغال بالمكاسب اليسيرة التي لا يبذ فيها جهد ولا يقدم فيها عوض، وعلى جانب آخر استغلال بين لطرف مقابل وإتيان عليه، ومن الحكم الواردة في هذا الشأن كذلك، المحافظة على المعروف بين الناس وامتداده وعدم انقطاعه، حيث أن الربا يورث بين الناس رويدًا رويدًا العداء، كونه لا يتم إلا في إطار فائز ومهزوم لا في إطار متعادل من المكاسب، من هنا كان التحريم حري به درء مفسدة التشاحن وانتفاء المعروف بين أفراد المجتمع.

“الرّبا يخلق فئة من النّاس تعيش دون مشقّة أو بذل جهد، فالتّعامل ” بالرّبا يؤدّي إلى أن يستثمر أصحاب الأموال أموالهم دون مشقّة أو بذل جهد، ومن ناحية أخرى تدعوهم إلى الرّكود وإلى الرّاحة.” (العبادي، 117)

لم يتغير الأمر كثيرًا بمرور الزمن، فمع تجدد النظام العالمي وسيره نحو استحداث منظومات اقتصادية شديدة التعقيد والتركيب، أسس فيها بكل بساطة لوجود الربا ضمن إطاره وقواعده، في بداية الأمر سارت الأمور بكل بساطة مع أضرار فردية ترتبت على المتعاملين في إطاره فقط، ليتشعب الأمر بعد ذلك شاملًا المجتمعات بأسرها.

جميعنا نتذكر ما حل بالعالم من نكبة اقتصادية أخيرة حدثت في العام 2008 وترتب عليها كثير من الأضرار السيئة فيما يتعلق بحياة الناس وأمانهم المادي والاجتماعي، حيث انهارت عديد من المصارف الأمريكية في تلك اللحظة التي انهارت فيها اقتصاديات دول أخرى بكاملها، في نفس اللحظة كذلك التي تدمرت فيها حياة أناس كثر حول العالم وأصبحوا يعانون من قلة في الغذاء وحاجة ماسة للمساعدة.

تلك الأزمة المالية الطاحنة التي مر بها الاقتصاد حول العالم، خسرت فيها اقتصاديات الدول آلاف المليارات من الدولارات وما زالت إلى الآن آثارها الضارة تفوح في العالم هنا وهناك، أرجع محللون سببها إلى عديد من الأسباب الاقتصادية المفصلة، وأقاموا بصددها عديد من الدراسات التي اهتمت بتفكيك الأمر ودفعه إلى واجهة التفسير والتعليل.

وقد فهمت بعد ذلك وبعد قراءة الكثير من الدراسات في هذا الشأن إلى نتائج من أهمها: إن للأزمة المالية أبعاد ثلاثة منها ما يتعلق بالنظام المالي وآخر بالنظام الاقتصادي ومن ثم البعد الحضاري، ويعد التعامل بالربا وغياب الكثير من القيم الأخلاقية، وإقصاء الدولة، والإنفاق الترفي، وتوليد النقود والظلم والاستغلال…. من أهم أسباب الأزمة من منظور إسلامي – يمكن الاطلاع إلى الجدول والتوضيح في الملاحق التي تتبع عرض المشكلة هذه.

في أثناء الأزمة المالية وفي أوج شدتها نظر المحللون الاقتصاديون حولهم ليعاينوا آثار الأزمة التي وصلت خسائرها وفقًا لبعض التقارير حوالي 30 تريليون دولار فضلًا عن انهيار عديد من الاقتصادات والمصارف وسوق العقارات، نظر المحللون الاقتصاديون حولهم فوجدوا المصارف الإسلامية ثابتة راسخة لم تصب بأذى.

نظرًا لمحدودية المصارف الإسلامية فقد كان يُنظر إليها حينئذ على أنها قطاع يعتمد نظم متأخرة عما وصل إليه العالم من استحداث، لكن بعد الأزمة وبعد ثبات تلك النظم الإسلامية ورسوخها، بدأت الأنظار تختلف النظر إلى تلك النظم وتباشرها بدراسات تفصيلية، وأهم الفروق التي يمكن أن نضعها نصب أعيننا بين النظم البنكية الغربية وبين النظم البنكية الإسلامية هي قضية الربا وتحريمه وتلافيه في المعاملات بالنسبة للأخيرة، ما وضع إثباتًا لا مجال معه للشك، أن الربا المتواجد في أصول الأنظمة الغربية هو السبب الرئيس الذي ترتب عليه كل ما حدث من أزمة مالية عالمية وصفت بالطاحنة.

وفي الختام يمكن القول بأننا نتحدث عن قصة تسرد معطيات المسألة وتفاصيلها المتشعبة،فما تم الحديث عنه آنفاً مجرد وسيلة تُوجه الأنظار صوب المشكلة الرئيسة التي ما زالت تعمل ضمن نطاقها الأنظمة البنكية الحديثة، ألا وهي مسألة الربا والفوائد وما يتشعب عنهما من صور كثيرة وإن كانت في بعض الأحيان مأسلمة .

لدينا حلم منذ سنوات طويلة جداً يضع في اعتباره بأن النظام الاقتصادي الإسلامي -الخالي من الربا والفوائد وما يتشعب عنهما-أساسًا لتحقيق الحلم والذي نعمل لإيجاد الوسيلة التي ستخلص العالم من الربا وتقضي عليه .

بقلم خبير الصيرفة الإسلامية وعلوم المال والأعمال – أحمد طرابلسي

اترك رد