الادلة على عدول الصحابة من القرآن والسنة

3
إن العدالة التى نثبتها لصحابة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – لم نعطها هبة لهم من عند أنفسنا – فنحن أقل من ذلك فضلاً عن أننا لا نملك ذلك، وإنما العدالة ثابتة لهم جميعاً بنص الكتاب العزيز, والسنة الشريفة – سواء منهم من تقدم إسلامه ومن تأخر، ومن هاجر ومن لم يهاجر، ومن اشترك فى الغزوات ومن لم يشترك ، ومن لابس الفتنة ومن لم يلابسها فهذه العدالة لهم جميعاً تضافرت عليها الأدلة من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرةأولاً : دلالة القرآن الكريم على عدالة الصحابة رضي الله تعالى عنهم :لقد وصف رب العزة صحابة رسول الله بالعدالة وأثنى عليهم فى آيات يطول ذكرها منها مايلى :
1- قوله تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ووجه الاستدلال بهذه الآية على عدالة الصحابة أن وسطاً بمعنى “عدولاً خياراً”، ولأنهم المخاطبون بهذه الآية مباشرة} وقد ذكر بعض أهل العلم أن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد به الخصوص ، وقيل : “إنه وارد فى الصحابة دون غيرهم”
2- وقوله تعالى : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ووجه دلالة هذه الآية على عدالة الصحابة أنها أثبتت الخيرية المطلقة لهذه الأمة على سائر الأمم قبلها ، وأول من يدخل فى هذه الخيرية المخاطبون بهذه الآية مباشرة عند النزول ، وهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، وذلك يقتضى استقامتهم فى كل حال ، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة ، ومن البعيد أن يصفهم الله بأنهم خير أمة ولا يكونوا أهل عدل واستقامة ، وهل الخيرية إلا ذلك ؟
كما أنه لا يجوز أن يخبر الله تعالى بأنه جعلهم أمة وسطاً – أى عدولاً – وهم على غير ذلك ، فيصح أن يطلق على الصحابة أنهم خير أمة بإطلاق ، وأنهم وسط أى عدول بإطلاق”
وهكذا سائر الآيات التى جاءت بمدحهم قال تعالى : {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(8)وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فالصادقون هم المهاجرون، والمفلحون هم الأنصار، بهذا فسر أبو بكر الصديق، هاتين الكلمتين، من الآيتين، حيث قال فى خطبته يوم السقيفة مخاطباً الأنصار:”إن الله سمانا (الصادقين) وسماكم (المفلحين)،وقد أمركم أن تكونوا حيثما كنا ، فقال : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين}
فهذه الصفات الحميدة فى هاتين الآيتين كلها حققها المهاجرون والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واتصفوا بها، ولذلك ختم الله صفات المهاجرين بالحكم بأنهم صادقون ، وختم صفات الذين آزروهم ونصروهم وآثروهم على أنفسهم بالحكم لهم بأنهم مفلحون0
وهذه الصفات العالية لا يمكن أن يحققها قوم ليسوا بعدول ”
وحتى الآيات التى جاء فيها عتاب لهم أو لبعضهم شاهدة بعدالتهم حيث غفر الله لهم ما عاتبهم فيه وتاب عليهم قال تعالى : {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(67)لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(68)فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }وتأمل ختام العتاب “إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” وهل بعد مغفرة الله من شئ؟!
وقال تعالى : {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} وتأمل ختام الآية “إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”
وغير ذلك من الآيات الشاهدة بمغفرة الله تعالى لهم لما ارتكبوا من بعض المعاصى – وسيأتى ذكر بعضها فى الرد على الشبهات حول عدالة الصحابة
إن تلك الآيات التى جاء فيها عتاب للصحابة أو لبعضهم لارتكابهم بعض المعاصى لخير دليل شاهد على ما سبق ذكره ، من أن المراد بعدالتهم جميعاً عصمتهم من الكذب فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنى عدالتهم عصمتهم من المعاصى أو من السهو أو الغلط، فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم وحتى مع ارتكاب بعضهم لبعض الذنوب، فقد امتن الله تعالى عليهم بالتوبة والمغفرة لذنوبهم
وما هذه المنة من ربهم إلا بيان لعباده مؤمنهم وكافرهم إلى قيام الساعة ؛ بعظم مكانة من اختارهم لصحبة سيد أنبيائه ورسله ، وأن التجريح والقدح فى تلك المكانة والعدالة إنما هو تجريح وقدح فيمن بوأهم تلك المكانة ، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس !!!
ونعوذ بالله تعالى من الخذلان .ثانياً : دلالة السنة المطهرة على عدالة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين :لقد وصف النبى أصحابه بالعدالة ، وأثنى عليهم فى أحاديث يطول تعدادها منها :
1- قوله صلى الله عليه وسلم:”ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب” “ففى هذا الحديث أعظم دليل على أن الصحابة كلهم عدول ليس فيهم مجروح ، ولا ضعيف إذ لو كان فيهم أحد غير عدل ، لاستثنى فى قوله عليه السلام وقال : “ألا ليبلغ فلان منكم الغائب” فلما أجملهم فى الذكر بالأمر بالتبليغ لمن بعدهم، دل ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدله رسول الله شرفاً ”
2- وقال صلى الله عليه وسلم : “خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِم يَمِيَنهُ ويَميِنُهُ شَهَادَتَهُ”( ) وهذه الشهادة بالخيرية مؤكدة لشهادة رب العزة : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}
3- وقوله صلى الله عليه وسلم : “النجومُ أَمنةٌ للسماءِ، فإذا ذهبتِ النجوُمِ، أَتى السماءَ ما تُوعدُ، وأَنا أَمَنةٌ لأَصْحَابى فإذا ذهبتُ أَتَى أَصْحَابِى ما يُوعدونَ، وأَصْحَابى أَمنةٌ لأُمَّتِى، فإِذا ذهب أصحابى أتى أُمِتى ما يُوعَدُون”
4- وقال صلى الله عليه وسلم : “إن الله اختار أصحابى على العالمين، سوى النبيين والمرسلين، واختار لى من أصحابى أربعة أبا بكر، وعمر وعثمان، وعلياً فجعلهم أصحابى قال فى أصحابى كلهم خير، وأختار أمتى على الأمم، وأختار من أمتى أربعة قرون، القرن الأول والثانى والثالث، والرابع”
وهذا الحديث مؤكد لقوله تعالى : {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}
ويؤكد ابن مسعود ما سبق من الآية والحديث قائلاً : “إن الله نظر فى قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر فى قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون عن دينه ”
يقول الإمام الآمدى : ” واختيار الله لا يكون لمن ليس بعدل ”
5- وقال عليه الصلاة والسلام : “لا تسبوا أصحابي لاا تَسُبُّوا أصحابى : فوالذى نفسى بيده! لو أن أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذهباً، ما أَدركَ مُدَّ أَحَدِهِم، ولا نَصِيَفهُ”
يقول الصحابى الجليل سعيد بن زيد بن عمرو، أحد العشرة المبشرين بالجنة لما سمع رجلاً من أهل الكوفة يسب رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “… والله لمشهد شهده رجل يغبر فيه وجهه مع رسول الله ( ص ) : أفضل من عمل أحدكم ، ولو عمر عمر نوح عليه السلام ”
يقول فضيلة الشيخ محمد الزرقاني – رحمه الله – “فأنت ترى من هذه الشهادات العالية فى الكتاب والسنة ، ما يرفع مقام الصحابة إلى الذروة ، وما لا يترك لطاعن فيهم دليلاً، ولا شبهة دليل
والواقع أن العقل المجرد من الهوى والتعصب، يحيل على الله فى حكمته ورحمته، أن يختار لحمل شريعته الختامية، أمة مغموزة، أو طائفة ملموزة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومن هنا كان توثيق هذه الطبقة الكريمة طبقة الصحابة ، يعتبر دفاعاً عن الكتاب، والسنة، وأصول الإسلام من ناحية، ويعتبر إنصافاً أدبياً لمن يستحقونه من ناحية ثانية، ويعتبر تقديراً لحكمة الله البالغة فى اختيارهم لهذه المهمة العظمى من ناحية ثالثة0
كما أن تَوْهِينهم والنيل منهم، يعد غمزاً فى هذا الاختيار الحكيم، ولمزاً فى ذلك الاصطفاء والتكريم، فوق ما فيه من هدم الكتاب، والسنة، والدين”

المصادر :
– عدالة الصحابة للشربيني
-الموافقات
-عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر علي الشيخ

شارك هذا الموضوع

3 تعليقات

  1. ممدوح أحمد فؤاد حسين بتاريخ

    كيف أجمع المسلمون علي أن الصحابة كلهم عدول والله تعالى لما أنزل قوله تعالى (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) قال الصحابة رضوان الله عليهم: لم نكن نعلم أن من بيننا من يريد الدنيا ….. أرجو الرد لأن هذا الموضوع شغلني جدا وأرجو الرد علي الإيميل الخاص بي لأنه من الصعب علي متابعة الموقع

  2. محمد الجودي بتاريخ

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد
    السلام عليكم ورحمة الله
    ======
    من هم الصحابة
    جاء في لسان العرب “صَحِـبَه يَصْحَبُه صُحْبة، بالضم، وصَحابة، بالفتح، وصاحبه: عاشره. والصَّحْب: جمع الصاحب… والأَصْحاب:جماعة.. والصاحب: الـمُعاشر…والجمع أَصحاب، وأَصاحيبُ، وصُحْبان…وصِحاب … وصَحْب وصَحابة وصِحابة، حكاها جميعاً الأَخفش … وفي حديث قيلة: خرجت أَبتغي الصَّحابة إِلى رسول اللّه، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ؛ هو بالفتح جمع صاحب” ومن هنا نعلم أن الصحابة لغة هم الذين رأوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مسلمين وعاشروه مدة من الزمن، ولكن علماء الحديث جعلوا الصحابي أعم من ذلك فقالوا: هو كل مسلم رأى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ حيًّا ومات على الإسلام ولو تخللت ذلك ردة، وبذلك يكون المائة والأربعة عشر ألفًا الذين شهدوا حجة الوداع والمسلمون الذين عاشوا في البوادي ورأوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولو للحظة واحدة صحابة، ولم يقفوا عند هذا الحد بل عدَّلوهم جميعهم عدالة مستمرة معهم طيلة حياتهم أي غير العدالة التي تثبت بدخول الإسلام وقد تتغير بعد ذلك إذا ما فسق صاحبها، بأدلة لا دلالة فيها على ذلك كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ثم جعلوا تعديلهم الذي يعني حكمهم عليهم بعدم فعل كبيرة أو إصرار على صغيرة، توثيقًا لهم مع علمهم أن التوثيق حكم بالعدالة والضبط معًا وهم لم يبحثوا مسألة ضبط الصحابة بالمرة، وهذا تساهل كبير مخالف لقواعد التوثيق والجرح والتعديل التي قعدها وأقرها علماء الجرح والتعديل أنفسهم، وإليك بيان ذلك:
    أدلتهم على تعديل الصحابة كلهم: قالوا الصحابة كلهم عدول واستدلوا على ذلك بأدلة عامة نذكرها ونذكر الرد على استدلالاتهم بها إن شاء الله تعالى:
    1- قول الله عَزَّ وَجَلَّ{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران110]، وقوله{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}[البقرة143]، وهاتان الآيتان لا دلالة فيهما على تعديل الصحابة عند كل منصف لأنهما لا علاقة لهما بالمسألة، وإنما هما تبينان خيرية الأمة الإسلامية في عهد الصحابة وفي عهد التابعين بل وفي كل وقت وحين وإلى يوم الدين على غيرها من الأمم لأنها أمة إسلامية وغيرها من الأمم إنما هي أمم إما جاهلية أو إسلامية لم تصل إلى درجتها من الفضل والخيرية، وهذه الخيرية للأمة الإسلامية بعمومها لا تعني مطلقًا عدالة كل فرد منها وفيها وإلا لما كانت هناك معاص كبيرة أو صغيرة يصر عليها، ولما كان هناك فساق ولما عذب أحد من أهل الملة الإسلامية في النار يوم القيامة وهذا قول لم يقل به أحد ولم يتخيله ذو لب لمناقضته الواقع والأدلة القطعية.
    2- وقوله{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}[الفتح29]، وهذه الآية أيضًا لا دلالة فيها على تعديل الصحابة عند كل منصف لأنها لا علاقة لها بالمسألة، وإنما هي تبين صفتين من صفات أصحاب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ حال حياته لا بعد موته غير صفة العدالة، وقد تجتمع هاتان الصفتان مع الفسق في شخص واحد أي أن اتصاف المسلم بهما لا يعني لزوم عدالته، ثم إننا لو قلنا بلزوم عدالة من اتصف بهاتين الصفتين فنحكم بعدالتهم حال كونهم مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أي في حياته وليس بعد وفاته.
    3- وقوله{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اَللهُ عَنْهُم وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}[التوبة100]، وقوله{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}[الفتح18]، وهاتان الآيتان لا دلالة فيهما على تعديل الصحابة عند كل منصف لأنهما لا علاقة لهما بالمسألة، وإنما هما تخبران عن رضا الله سبحانه وتعالى عن السَّابِقُينَ الْأَوَّلُينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ وعن المؤمنين الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة، وهذا لا علاقة له بتعديل الصحابة من وجوه عدَّة:
    1- أن هاتين الآيتين لم تخبرا عن رضا الله عن جميع من شملهم تعريف الصحابة عند علماء الحديث الذين استدلوا بها على عدالة جميع الصحابة بحسب تعريفهم وإنما عن جماعة منهم فقط.
    2- أن هاتين الآيتين تخبران عن حكم من أحكام الله وهو الرضا عن المؤمنين المبنية على علم الله بحقيقة الأمر ومنتهاه وليس عن حكم من أحكام البشر المبنية على الظاهر والتي الجرح والتعديل جزء منها.
    3- أن رضا الله عن المؤمنين لا يدل على عدالة كل واحد منهم لأن الله يرضى عن المسلمين جميعهم عدلهم وفاسقهم، ورضاه عنهم لا يعني رضاه عن كل عمل منهم وإنما يعني رضاه عنهم بالكلية بسبب إسلامهم أو توبتهم من الذنوب أو زيادة حسناتهم على سيئاتهم أو رحمة منه وفضلاً، يدل على ذلك أدلة كثيرة منها قول الله تبارك وتعالى{لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[المجادلة:22]، وفي هذه الآية بيان من الله قاطع أنه رضي عن كل المؤمنين الذين يشكلون حزب الله ومن المعلوم يقينًا أن فيهم العدل والفاسق، وهذا الرضا من الله الذي يعلم ما يستحقونه يوم القيامة من الجزاء والثواب بحسب ما يموتون عليه من الإيمان، وما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم “إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربِّ، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربِّ، وأي شيء أفضل من ذلك، فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً”( 1)، وهذا إخبار عن رضا الله عز وجل عن كل من دخل الجنة ومنهم من عذب في النار ثم أخرج منها ، ومنهم من لم يدخلها لزيادة سيئاته على حسناته كما دل على ذلك ما روي عن أبي بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال “تحشر هذه الأمة على ثلاثة أصناف صنف يدخلون الجنة بغير حساب وصنف يحاسبون حسابًا يسيرًا وآخر يجوزون على ظهورهم أمثال الجبال الراسية فسأل الله عنهم وهو أعلم فيقول هؤلاء عبيد من عبيدي لم يشركوا بي شيئًا وعلى ظهورهم الذنوب والخطايا حطوها واجعلوها على اليهود والنصارى وادخلوا الجنة برحمتي”( 2) ، ومنهم من لم يدخلها أيضًا لتوبته ومغفرة الله له ذنوبه بهذه التوبة، دلَّ على ذلك أدلة كثيرة منها قول الله تبارك وتعالى{وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى}[طه:82]، وقوله {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[آل عمران:135]، وقوله{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[الزمر:53]، وقوله{إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}[الفرقان:70].
    4- وقوله{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}[الأنفال74]، وقوله{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}[الحشر8-10]، وما قيل في الآيات السابقة يقال في هذه الآيات لأنها غاية ما فيها الشهادة لهم بالإيمان وليس بالعدالة إذ قد يجتمع الإيمان الحقيقي أي الموافق فيه الظاهر للباطن مع وجود المعصية والإصرار عليها.
    5- وما روي عن عبد الله عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قال “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم”( 3)، وهذا الحديث لا دلالة فيه على تعديل الصحابة لأنه شهادة فقط بأن خير القرون قرن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهذا لا يعني عدالة كل من فيه سواء كان صحابيًّا أم تابعيًّا، وقد ثبت فيه بالدليل القاطع وقوع ردة واسعة فيمن صاحبوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحدث كذلك بغي واسع كبير، وهذا فسق أصروا عليه وورثوه من بعدهم.
    6- وما روي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قال “لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه”( 4)، وهذا الحديث أيضًا لا دلالة فيه على تعديل الصحابة لأنه إما يحرم سب الصحابة لما يترتب عليه من سوء، أو أن المراد بالصحابة الخصوص وليس العموم وهذا متحقق بدليل الأحاديث التي بينت ارتداد كثير من الصحابة.
    7- وما روي عن أبي موسى عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قال “النجوم أمنةٌ للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنةٌ لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنةٌ لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون”(5 )، وهذا الحديث أيضًا لا دلالة فيه على تعديل الصحابة لأنه إنما يبين أثر وجود الصحابة في تحقيق الأمان للمسلمين، وهذا ليس على إطلاقه فالذي وقع بين الصحابة من حروب واقتتال يبين ذلك ويؤكده وهو دليل على أن لا علاقة للحديث بتعديل الصحابة لأن اقتتالهم كان فيه المصيب والمخطئ، الظالم والمظلون، العدل والمجروح.
    وبناء على ما ذكرناه نستطيع القطع بأنه لم يدل دليل على عدالة كل الصحابة بل منهم العدل ومنهم المجروح ومنهم من ثبت على عدالته ومنهم من رجع عنها ومنهم من ثبت على فسقه ومنهم من تاب منه، في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبعد موته
    —————————-
    ( 1) رواه البخاري(فتح) ج11ص415 ومسلم والترمذي رقم2552 وأحمد ج2ص88.
    ( 2) رواه الحاكم وقال : هذا حديث صحيح الإسناد شرط مسلم ولم يخرجاه
    (3 ) رواه البخاري(فتح) ج5ص259 ومسلم(شرح النووي) ج16ص131-133 والترمذي ج4ص548 والحاكم ج3ص191 وأحمد ج4ص276 والطبراني في الكبير ج2ص320 والهيثمي في مجمع الزوائد ج10ص19والبغوي في شرح السنة ج10ص138وابن حبان رقم2258 والبيهقي في السنن الكبرى ج10 ص122 وابن أبي شيبة ج12ص178 وأبو نعيم في الحلية ج2ص78 وابن عبد البر في الاستذكار ج1 ص239والطحاوي في مشكل الآثار ج3ص177وفي شرح معاني الآثار ج4ص152وأحمد ج4 ص276.
    ( 4) رواه البخاري في فضائل الصحابة ج5ص10 ومسلم مثله ج4ص1967 رقم2540 وابو داود رقم 4658 والترمذي رقم3861 وقال: حسن صحيح وأحمد ج3ص11 وابن ماجة رقم161 والحاكم ج2ص478 وابن أبي شيبة ج12ص175 والبيهقي في السنن الكبرى ج10ص203 والهيثمي في مجمع الزوائد ج10ص21.
    ( 5) رواه مسلم ج4ص1961 رقم2531 وأحمد ج4ص399 والحاكم ج3ص457 والبغوي في شرح السنة ج14ص71

شارك بتعليقكـ حول هذا الموضوع :